Newsletter

Pour recevoir les nouvelles du site, entrez votre courriel et cliquez sur « Je m’abonne »

La tendance laïque dans la pensée chrétienne libanaise (5), Georges Khodr, Al-Akhbar, 03.06.2010

النزعة العلمانية في الفكر المسيحي في لبنان  5

جورج خضر

  chodre

تناول المطران جورج خضر مسألة العلمانيّة في أكثر من مناسبة، أذكر منها التفكّر في العلمانيّة كحلّ للقضيّة الفلسطينيّة، اتفاق الطائف الذي ينصّ على إلغاء الطائفيّة السياسيّة، إضافة إلى الجدل المتكرّر حول المفهوم منذ سنين عديدة. يذكّر الأسقف الأرثوذكسي أنّ علاقة الإيمان المسيحي بالسياسة قائمة أساساً على كلمات السيّد المسيح القائل: «مملكتي ليست من هذا العالم». فلا خلط في المسيحيّة بين الدينيّات وفحواها الحياة بالإيمان، والسياسيّات وهي معنيّة بشكل الحكم: السياسة «نطاق له قواعده وتقانته ولغته وأسلوبه وإن ملكوت الله له قواعده ولغته وأسلوبه». لذلك، فليس من موقع لرجال الدين في السلطة السياسية، بل يجب تجنّب الخلط بين هذين الحقلين عبر «تحرير الوطن من وطأة الطوائف وتحرر للإيمان من دخول السياسة إليه». فالتمييز بين الديني والسياسي يلازمه مبدأ قائل بإمكانية عيش المسيحي في ظل أيّ نظام، شرط أن يكون عادلاً وغير قامع للحرّيات. بإمكان المسيحيّة القبول بأنواع شتّى من أشكال الحكم لأنّ الإيمان المسيحي لا يحتوي على مبادئ نظام سياسي.

 ولكن يبدو أنّ مسألة التمييز بين الحقلين تواجه مشكلتين كبيرتين في لبنان. أولاهما مشكلة الهويّة: فاللبنانيّون يختبرون ضربين من ضروب الانتماء، الانتماء الديني والانتماء السياسي، وهذا يتعارض مع الهويّة السياسيّة التي لا تحتمل الازدواج، لأنّ هويّة المواطن واحدة وهي الهويّة الوطنية، وهو «عضو في مجتمع وطني واحد ليس مؤلّفاً من أجزاء دينيّة». وثانيتهما مشكلة الطائفية، وهي مرتبطة جذريّاً بمشكلة الهويّة. خضر يدين الطائفيّة بوضوح، إذ يعتبر أنّ «كل الطائفيات جريمة وكل الطائفيات فتن وحروب أهلية». ولكن الطائفية لا تعني حتماً أن النظام الطائفي سيئ بحد ذاته. فالأسقف اللاهوتي يعتقد أن استغلال الطوائف في لبنان أدّى إلى مآزق شتّى. فليس»الانتساب الديني جريمة ولكنه لباس تتخذه الجريمة الكامنة في النفس». أضف إلى ذلك التدخلات الأجنبية التي تستفيد من هشاشة التركيبة اللبنانية الطائفية لخدمة مصالحها. لذلك، لا يكمن حل المشكلة الطائفيّة بالإقصاء المطلق للطوائف من الحكم لأنّ المشكلة مصدرها أساساً تصرّفات السياسيين الذين يستغلّون الطوائف. فإلغاء الطائفيّة السياسيّة لن يحلّ مشكلة أساسها في تصرّفات السياسيين. ولكن، إذا ألغيت الطائفيّة السياسيّة وسنّت القوانين العلمانيّة، يجب على الأقل الحفاظ على المقوّمة الطائفيّة الإيجابية التي تقضي بإعطاء ضمانة للمسيحيين، وحمايتهم من مساوئ الأكثريّة العدديّة.

 اللغط حول العلمانيّة. «العلمنة كلمة صعبة القبول في أوساط كثيرة لكونها أفهومة محسوبة مرادفة للإلحاد أو نافية للشرع الإسلامي». وتزيد اللغة العربيّة من غموض المفهوم، إذ تعطي مرادفاً واحداً لمفهومين: laïcité من جهة وsécularisme أو laïcisme من جهة أخرى (هذان التعبيران مرادفان في نصوص خضر). يختلف المفهومان أشد الاختلاف. فالأول هو مرادف للحكم المدني. أمّا الثاني، فهو فلسفة ملحدة تستبعد الله من السياسيّات ومن الحياة الفكريّة. يرفض المتروبوليت الأرثوذكسي المفهوم الثاني ويعارض كل تيّار سياسي يقصي الجانب الروحي ويتصرّف وكأنّ الدين غير موجود.

هذه التحاليل اللغويّة والتقنيّة حول مفهوم العلمانيّة تخوّلنا توضيح موقف جورج خضر منها. فهو يقبل بعلمانيّة تعني «الحكم المدني» ويرفض علمانيّة مرادفة للإلحاد تناهض الدين أو تتجاهله. فالحكم المدني يحافظ على التعدّدية الروحيّة ويضمن دورها فيما الـlaïcisme يقصي تأثير الدين ودوره. يضرب لنا خضر مثل الإمبراطوريّة البيزنطيّة للتكلّم عن الدولة العلمانيّة كحكم مدني. فالإمبراطوريّة لم تكن تيوقراطيّة، بل كان الحكم يساس بتناغم بين الدولة والدين. لم يحكم الإمبراطور الكنيسة، ولم تحكم هذه الإمبراطوريّة. أمّا الكثير من نماذج الحكم السياسي الإسلامي، فهي تنحو منحى مماثلاً: «تعلمت من المؤرخين المسلمين المعاصرين أن الفقهاء كانوا بعامة على مسافة من السياسة وأنهم كانوا وجدان الخلفاء». فحوى القول أنّ العلمانيّة كحكم مدني هي أحد الحلول التي يجب اعتمادها لحل مشكلة الطائفية، للحفاظ على التعدّدية الدينيّة وعلى التناغم السليم بين الدينيّات والسياسيّات. ولكن هذا الحل يبقى حلاً خارجيّاً، ضرورياً ولكنه غير كاف، لأنّ جذور المشكلة قابعة في النفوس: «العلمانيّة حلٌّ إداريٌّ لمشاكل الدولة، وليست حلاًّ فلسفيًّا. تجاهلُ الموجود الفاعل في النفوس لا يُقيم مجتمعًا واحدًا». فعمق المشكلة في الإنسان، وتحديداً في عدم القبول بالآخر: «قبل أن تقتنعوا بالعلمانيّة، اقتنعوا بعضكم ببعض».

 استبعاد العلمانيّة كـlaïcisme وتجنيبها كل منحى أيديولوجيّ، يُبقي الدرب سالكاً للروحيّات التي يجب أن تبقى مصدر وحي في الوطن، مع الحفاظ على التمييز الواضح بين الدينيّات والسياسيات. وعليه، يمكن الدولة العلمانيّة (حكم مدني) أن «تستوحي المصادر الدينيّة استيحاءً لقانون وضعي، وقد يأتي القانون الوضعي حراً من أي استيحاء ديني ولكن لا يصدم ضمير الناس وإخلاصهم الروحي». تندرج مسألة الزواج المدني اللبناني في هذا السياق، إذ يعتقد خضر أنّه يجب، من ضمن الحفاظ على قوانين الأحوال الشخصيّة في إطار حكم مدني، إيجاد حل للشخص الذي «لا يريد الخضوع لإيمان جماعته». وبذلك يكون الحكم المدني قد احترم علمانيّة الدولة وأخذ بعين الاعتبار التركيبة الاجتماعيّة الطائفيّة للسياق اللبناني.

 ختام القول في هذا المقال أنّه على المسيحي اللبناني الإسهام بمجيء الحكم المدني، الضامن للتعددية، والمميّز بين الدينيّات والسياسيّات، والكفيل بالتوازن الطائفي السليم في لبنان. ويجب على المسيحيين أن يبقوا مصدر وحي للحياة السياسيّة للإسهام بتأطيرها ضمن خير الإنسان الزمني الأسمى: «لا بد من الشهادة لله في أمور دنياك بحيث تلتزم شؤونها فتنغمس في صفحاتها وتناضل وتغيّر فيها ما قدرت على ذلك… أنت تحمل الإنجيل في قلبك وتترجمه في الإنسانيّات، في الهيكليّات».

الحلقة المقبلة: بولس الخوري

بقلم الدكتور أنطوان فليفل

جريدة الأخبار 03.06.2010

Leave a Reply

  

  

  

You can use these HTML tags

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>